أبي منصور الماتريدي

10

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال ، وشبهوك بها ؛ نسبوك مرة إلى السحر وقالوا : إنك ساحر ، ومرة إلى الجنون وقالوا : إنك مجنون ، ومرة إلى الشعر وقالوا : إنك شاعر ، ومرة إلى الكذب حيث قالوا : بل هو كذاب أشر ، ونحو هذا مما كانوا ينسبونه إليه ، فيقول - والله أعلم - : انظر إلى سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال ونسبوك إلى ما ذكروا ، على علم منهم أنك لست كذلك ولا على ذلك ، وأنك على الحق وهم على باطل وكذب . أو أن يكون قوله : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ما قالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وأمثال ما سألوا ، فيقولون : لو كان ما يقول إنه رسول ، لكان ذلك له أعلام الرسالة وأمارات صدقه ، فيخبر أن الأعلام والآيات ليست تأتي على شهوات سؤال المعاندين وأمانيهم ، ولكن إنما تجيء على ما توجيه الحكمة ، مما يدل على صدق ما ادعى ويظهر كذب من عاند وتولى ، وقد أتاهم محمد صلوات الله عليه وسلامه بحجج وبراهين ما أظهر لهم صدق ما ادعى من الرسالة والنبوة ، لكنهم عاندوها وكابروا ، فلم يقروا بها خوفا أن يذهب عنهم رياستهم « 1 » . وقوله : فَضَلُّوا لا شك أنهم قد ضلوا عن الهدى ، أي : عدلوا بضربهم الأمثال له ، ونسبتهم إياه إلى ما نسبوه إليه ؛ فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى أو إلى ما سألوا من الأشياء . وفي حرف حفصة : فلا يهتدون سبيلا . وقال بعضهم « 2 » : فلا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها لك ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 10 إلى 14 ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) وقوله : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ قد ذكرنا أنه خرج جواب ما سألوه من الأشياء : من الملك والكنز والجنة وأنواع الطعن الذي طعنوه ، أي : لو شاء لأعطاك

--> ( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 483 ) . ( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 26279 ) ، والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 115 ) .